الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
389
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
أوّلهما : أنّ الظاهر أنّ هذه الروايات مطلقة تشمل الطلاق للعدّة وللسنّة ، فكيف قيّدها الأصحاب بالطلاق للعدّة بالمعنى الذي عرفت ؟ وقد أجيب عن هذا الإشكال : بأنّ المدرك له هو الإجماع . ولكن للتأمّل فيه مجال . إن قلت : التلاعب بالطلاق إنّما يكون في الطلاق للعدّة ؛ فإنّه الذي يوجب الإضرار بالزوجة ؛ نظراً إلى أنّه لا مفَرّ لها منه ، فيطلّقها ، ثمّ يراجعها ، فلا يمسكها بمعروف ، ولا يسرّحها بإحسان ، ولكن في طلاق السنّة يدعها بعد الطلاق حتّى تنقضي عدّتها ، فيكون خاطباً من الخطّاب ، والمرأة إذا لم ترضَ بالنكاح الجديد لا توافقه في ذلك ، وهذا سبب للتقييد بالعدّة . قلنا : نعم ، هذا الفرق موجود بين الطلاقين ، ولكن مفاده أنّ الثاني أقلّ محذوراً من الأوّل ، لا أنّه لا محذور فيه ، ولا تلاعب فيه بالطلاق ، ولذا يذمّه الناس بطلاق زوجته مراراً . بل قد يكون الفساد فيه أشدّ من بعض الجهات ؛ لأنّه إذا كان الطلاق دليلًا على عدم رضاه بالزوجة ، فلماذا يخطبها بعد عدّتها ، ثمّ يطلّقها ، ثمّ يخطبها ؟ ! إنْ هذا إلّاتلاعب بالنكاح والطلاق . ثانيهما : أنّه ما الفرق بين المطلّقة ثلاثاً والمطلّقة تسعاً ؛ حتّى تكون الحرمة في الأولى غير مشروطة بالدخول والطهر غير المواقع بعده ، وفي الثانية مشروطة ؟ ! مع أنّ ظاهر الروايات أو صريحها ، أنّ الذي يوجب الحرمة الأبدية هو عين ما يوجب الحرمة المشروطة بالمحلّل بشرط تكراره مرّتين ، ثمّ في المرّة الثالثة تحرم أبداً . وقد يقال : إنّ الدليل في هذا الفرق هو الإجماع . ولكنّ الإنصاف عدم إمكان الركون إلى مثله . وهذا كلّه يدلّ على ما اخترناه في محلّه من اعتبار الدخول بعد الرجوع في الأوّل أيضاً ، فإنّه لو لم يكن أقوى ، فعلى الأقلّ إنّه أحوط . وهنا سؤال آخر : وهو أنّه كيف يسمّى الأصحاب طلاق التسع كلّها بالعدّي ؟ مع